فخر الدين الرازي
409
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
محمداً صلى اللّه عليه وسلم في هذه الآية بالاستغفار لهم ولأجلهم ، كأنه قيل له : يا محمد استغفر لهم فإني قد غفرت لهم قبل أن تستغفر لهم ، واعف عنهم فإني قد عفوت عنهم قبل عفوك عنهم ، وهذا يدل على كمال رحمة اللّه لهذه الأمة ، وثالثها : قوله تعالى : وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ وفيه مسائل : المسألة الأولى : يقال : شاورهم مشاورة وشواراً ومشورة ، والقوم شورى ، وهي مصدر سمي القوم بها كقوله : وَإِذْ هُمْ نَجْوى [ الإسراء : 47 ] قيل : المشاورة مأخوذة من قولهم : شرت العسل أشوره إذا أخذته من موضعه واستخرجته ، وقيل مأخوذة من قولهم : شرت الدابة شوراً إذا عرضتها ، والمكان الذي يعرض فيه الدواب يسمى مشواراً ، كأنه بالعرض يعلم خيره وشره ، فكذلك بالمشاورة يعلم خير الأمور وشرها . المسألة الثانية : الفائدة في أنه تعالى أمر الرسول بمشاورتهم وجوه : الأول : أن مشاورة الرسول صلى اللّه عليه وسلم إياهم توجب علو شأنهم ورفعة درجتهم ، وذلك يقتضي شدة محبتهم له وخلوصهم في طاعته ، ولو لم يفعل ذلك لكان ذلك إهانة بهم فيحصل سوء الخلق والفظاظة . الثاني : أنه عليه السلام وإن كان أكمل الناس عقلا إلا أن علوم الخلق متناهية ، فلا يبعد أن يخطر ببال إنسان من وجوه المصالح ما لا يخطر بباله ، لا سيما فيما يفعل من أمور الدنيا فإنه عليه السلام قال : « أنتم أعرف بأمور دنياكم وأنا أعرف بأمور دينكم » ولهذا السبب قال عليه السلام : « ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم » الثالث : قال الحسن وسفيان بن عيينة إنما أمر بذلك ليقتدي به غيره في المشاورة ويصير سنة في أمته . الرابع : أنه عليه السلام شاورهم في واقعة أحد فأشاروا عليه بالخروج ، وكان ميله إلى أن يخرج ، فلما خرج وقع ما وقع ، فلو ترك مشاورتهم بعد ذلك لكان ذلك يدل على أنه بقي في قلبه منهم بسبب مشاورتهم بقية أثر . فأمره اللّه تعالى بعد تلك الواقعة بأن يشاورهم ليدل على أنه لم يبق في قلبه أثر من تلك الواقعة . الخامس : وشاورهم في الأمر ، لا لتستفيد منهم رأياً وعلما ، لكن لكي تعلم مقادير عقولهم وأفهامهم ومقادير حبهم لك وإخلاصهم في طاعتك فحينئذ يتميز عندك الفاضل من المفضول فبين لهم على قدر منازلهم . السادس : وشاورهم في الأمر لا لأنك محتاج إليهم ، ولكن لأجل أنك إذا شاورتهم في الأمر اجتهد كل واحد منهم في استخراج الوجه الأصلح في تلك الواقعة ، فتصير الأرواح متطابقة متوافقة على تحصيل أصلح الوجوه فيها ، وتطابق الأرواح الطاهرة على الشيء الواحد مما يعين على حصوله ، وهذا هو السر عند الاجتماع في الصلوات . وهو السر في أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة المنفرد . السابع : لما أمر اللّه محمدا عليه السلام بمشاورتهم ذل ذلك على أن لهم عند اللّه قدراً وقيمة ، فهذا يفيد أن لهم قدرا عند اللّه وقدرا عند الرسول وقدرا عند الخلق . الثامن : الملك العظيم لا يشاور في المهمات العظيمة إلا خواصه والمقربين عنده ، فهؤلاء لما أذنبوا عفا اللّه عنهم ، فربما خطر ببالهم أن اللّه تعالى وإن عفا عنا بفضله إلا أنه ما بقيت لنا تلك الدرجة العظيمة ، فبين اللّه تعالى أن تلك الدرجة ما انتقصت بعد التوبة ، بل أنا أزيد فيها ، وذلك أن قبل هذه الواقعة ما أمرت رسولي بمشاورتكم ، وبعد هذه الواقعة أمرته بمشاورتكم ، لتعلموا أنكم الآن أعظم حالا مما كنتم قبل ذلك ، والسبب فيه أنكم قبل هذه الواقعة كنتم تعولون على أعمالكم وطاعتكم ، والآن تعولون على فضلي وعفوي ، فيجب أن تصير درجتكم ومنزلتكم الآن أعظم مما كان قبل ذلك ، لتعلموا أن عفوي أعظم من عملكم وكرمي أكثر من طاعتكم . والوجوه الثلاثة الأول مذكورة ، والبقية مما خطر ببالي عند هذا الموضع واللّه أعلم بمراده وأسرار كتابه . المسألة الثالثة : اتفقوا على أن كل ما نزل فيه وحي من عند اللّه لم يجز للرسول أن يشاور فيه الأمة ، لأنه إذا جاء النص بطل الرأي والقياس ، فأما ما لا نص فيه فهل تجوز المشاورة فيه في جميع الأشياء أم لا ؟ قال